العودة إلى المقالاتإكسير الخلود: السر السحري وراء شباب اللغة العربية الدائم

إكسير الخلود: السر السحري وراء شباب اللغة العربية الدائم

إكسير الخلود: السر السحري وراء شباب اللغة العربية الدائم بقلم: [د. عيسى عبد الجبار إبراهيم] تخضع اللغات الإنسانية، كغيرها من الكائنات الحية، لقانون النشوء والارتقاء، ثم الشيخوخة فالاندثار. هكذا تخبرنا كتب التاريخ واللسانيات عن لغات عظيمة سادت ثم بادت، كاللاتينية والسنسكريتية، حيث تفرعت، وتغيرت، وفقدت صلتها بأصولها الأولى. وسط هذه القاعدة الصارمة، تقف اللغة العربية استثناءً كونياً مهيباً؛ لغةٌ تجاوز عمرها الموثق ألفاً وخمسمائة عام، وما زالت تنبض بالحياة، وتستوعب مستجدات العصر، محتفظة بشبابها ورونقها. من هنا تتجلى حقيقة المقولة العميقة: "إن العربية بُنيت على أصل سحري يجعل شبابها خالداً عليها، فلا تهرم ولا تموت". فما هو هذا الأصل السحري؟ وكيف استطاعت لغة الضاد أن تكسر حواجز الزمن؟ الحصانة القدسية: الوحي يحرس وعاءه لا يمكن لأي باحث منصف، مسلماً كان أو مستشرقاً، أن يتجاهل الأثر الهائل للقرآن الكريم في تخليد اللغة العربية. لقد وقع الاختيار الإلهي على هذا اللسان ليكون الترجمان الأخير لرسالة السماء، مما منحه حصانة ميتافيزيقية وتاريخية ضد التلاشي. يتجلى هذا الارتباط في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]. إن التعهد الإلهي بحفظ الوحي هو، بالضرورة، تعهد بحفظ الوعاء اللغوي الذي يحمله. هذا الارتباط جعل العربية تتجاوز وظيفتها كأداة تواصل يومية، لتصبح لغة تعبدية يقرأ بها مئات الملايين يومياً، مما يجدد دماءها ويمنع انقطاعها عن جذورها، بخلاف اللغات التي انقطعت عن نصوصها المقدسة القديمة فصارت لغات ميتة. العبقرية الهندسية: نظام الاشتقاق والجذور بعيداً عن البعد الغيبي، يكمن "الأصل السحري" لغوياً في البنية الهندسية الفائقة للعربية. تعتمد لغة الضاد على نظام "الاشتقاق" الدقيق؛ حيث يمكن لجذر ثلاثي واحد (مثل: ك-ت-ب) أن يولد شبكة واسعة من الكلمات (كتاب، مكتبة، كاتب، مكتوب، كتيبة...)، بمرونة رياضية مدهشة تتكيف مع كل زمان ومكان. هذا البناء المحكم أذهل علماء الغرب، حتى قال العالم اللغوي الفرنسي الشهير إرنست رينان: "اللغة العربية بدأت فجأة على غاية الكمال، وهذا أغرب ما وقع في تاريخ البشر، فليس لها طفولة ولا شيخوخة." إنها لغة ولدت مكتملة، قادرة على النحت والتوليد، مما يجعلها قادرة على استيعاب المصطلحات العلمية والتقنية الحديثة دون أن تفقد هويتها الصوتية والصرفية. وكما عبر المفكر مصطفى صادق الرافعي، فإن قوة اللغة هي انعكاس لقوة ناطقيها، ومرونتها هي سلاحهم في وجه الاندثار الحضاري. ديوان العرب: الشعر حارس الشباب لم تكن العربية لتحتفظ بهذا الشباب لولا شعرائها؛ أولئك الذين صاغوا من مفرداتها قلائد من السحر والبيان. لقد كان الشعر، ولا يزال، ديوان العرب وسجل مآثرهم، وهو الميدان الذي تُختبر فيه طاقة اللغة على التصوير والتعبير المبتكر. أمير الشعراء أحمد شوقي، لخص هذا الجمال الاستثنائي في بيت خُلِّد في ذاكرة الزمن قائلاً: إِنَّ الَّذي مَلَأَ اللُغاتِ مَحاسِناً *** جَعَلَ الجَمالَ وَسِرَّهُ في الضادِ وعندما واجهت العربية دعوات التغريب والاتهام بالعقم في مطلع القرن العشرين، انبرى شاعر النيل حافظ إبراهيم للدفاع عنها بلسانها، في قصيدته الخالدة التي تعتبر أبلغ رد على من ادعى شيخوختها: وَسِعْتُ كِتَابَ اللهِ لَفْظاً وَغَايَةً *** وَمَا ضِقْتُ عَنْ آيٍ بِهِ وَعِظَاتِ فَكَيْفَ أَضِيقُ اليَوْمَ عَنْ وَصْفِ آلَةٍ *** وَتَنْسِيقِ أَسْمَاءٍ لِمُخْتَرَعَاتِ أَنَا البَحْرُ فِي أَحْشَائِهِ الدُّرُّ كَامِنٌ *** فَهَلْ سَاءَلُوا الغَوَّاصَ عَنْ صَدَفَاتِي صياغة الهوية والفكر أدرك الرعيل الأول من قادة الأمة وعلماء الإسلام أن هذه اللغة ليست مجرد أصوات للتفاهم، بل هي تشكيل للعقلية وطريقة التفكير. يقول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) في وصيته الخالدة: "تعلّموا العربية فإنها تزيد في المروءة"، مدركاً بذلك الأثر النفسي والأخلاقي الكامن في تراكيبها. ويؤكد شيخ الإسلام ابن تيمية على هذا التلاحم العضوي بين اللسان والهوية بقوله: "فإن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون". وختامًا فالعربية لا تهرم، ليس لأنها بمعزل عن قوانين التطور، بل لأن "أصلها السحري" يكمن في قدرتها الفائقة على التجدد من الداخل. جذورها ممتدة في سماء الوحي، وأغصانها تتنفس من إبداع العقول اللامحدود، وبنيتها الهندسية مرنة كالمعدن النفيس؛ يُشكل ليناسب كل عصر، لكنه لا ينكسر ولا يفقد بريقه. هي لغة كُتب عليها الخلود، وستبقى شابةً ما دام هناك قلب ينبض بآياتها، وعقل يغوص في بحر صدفاتها.